نشأة السينما التسجيلية «الوثائقية»



السينما التسجيلية هي نواة لجميع الفنون السينمائية على مر السنين ومنبر للهواة والمتخصصين، يعود تاريخ الفيلم التسجيلي إلى أواخر القرن التاسع عشر حيث بدأت خطواته الأولى مع خطوات نشوء الفن السينمائي، فمنذ أكثر من قرن من الزمن وتحديداً عام 1895 ولدت السينما التسجيلية على يد الأخوين الفرنسيين «لوي وأوغست لوميير».

كان الأخوان قد قدما عرضاً لمدة دقيقتين وبضع ثوانٍ بعنوان «الخروج من مصانع لوميير ووصول القطار إلى محطة لاسبوتات» وكان الفيلم يتحدث عن قطار يدخل المحطة وفي الوقت نفسه نرى عمالاً يخرجون من المصنع بعد انتهاء عملهم، سُجلت هذه اللحظات على شريط حساس وهو من الأشرطة الحساسة والأولى في تاريخ السينما، كان يغلب على هذه الأفلام الجانب الإخباري وخاصةً قبل عام 1900 من خلال ذلك استطاع مصورو الأخوين لوميير أن يلاحقوا الأحداث وكل ما يثير الفضول على سطح الأرض؛ لذلك يعود لهم الفضل في اختراع الفيلم التسجيلي مع العلم أن الفيلم التسجيلي يطلق عليه في فرنسا الفيلم الوثائقي وذلك لأنه يقوم بتوثيق الأحداث الحقيقية وتسليط الضوء عليها.

ظهر أول فيلم تسجيلي متكامل نهاية عام 1912 وهو اكتشاف سكوت للقطب الجنوبي، وكان الفيلم من إخراج الإنكليزي «هوبرت بونج»، ويرى آخرون أن أول فيلم تسجيلي متكامل ظهر عام 1915 من إخراج الكندي «روبرت فلاهرتي» وهو فيلم «نانوك رجل الشمال» حيث قام «فلاهرتي» بمعايشة أبطال فيلمه «نانوك» وأفراد أسرته، وحقق هذا الفيلم نجاحاً كبيراً في أمريكا وأوروبا كما كتب عنه الكثيرون وخاصةً  النقاد.

يعد فيلم «نانوك رجل الشمال» بداية تأسيس مرحلة جديدة بالنسبة للفيلم التسجيلي رغم كونه فيلماً تسجيلياً درامياً وليس تسجيلياً بحتاً، مع العلم أن الدوكودراما هي نوعية من الأفلام التي تقدم للمشاهد أحداثاً واقعية في صورة درامية يقوم بأداء أدوارها إما أشخاصها الحقيقيون - وهو الغالب - أو ممثلون محترفون.

السينما منذ ولادتها سارت باتجاهين مختلفين وهما الواقعية والانطباعية يمثل الاتجاه الواقعي «التسجيلي» كما ذكرنا سابقاً الأخوان لوميير، ويمثل الاتجاه الانطباعي «جورج ميلييه» الفرنسي الأصل.

بشكلٍ عام فإن تاريخ السينما يعود بالفضل إلى المملكة المتحدة أول دولة في العالم ابتدعت هذا الفن من الأفلام، تلتها الولايات المتحدة الأمريكية، كما بلغ الفيلم التسجيلي النضوج عام 1930 تحت الرعاية المباشرة للحكومة الوطنية وبلغ قمة النضوج في فترة الحرب العالمية الثانية، وتعد روسيا من أوائل الدول التي تم فيها التصوير السينمائي لتسجيل أكبر قدر ممكن من الأحداث التي وقعت أثناء سعي البولشفيك السيطرة على السلطة في البلاد، فقد استطاع الرواد التسجيليون الروس أن يحققوا نجاحات كبيرة ويضيفوا بأفلامهم رصيداً عظيماً إلى الفيلم التسجيلي، وأهم تلك الأفلام «الرجل وكاميراه السينمائية» لمخرجه «دزيغا فيرتوف».




أنتج السينمائيون التسجيليون الألمان عام 1925 فيلماً تسجيلياً طويلاً بعنوان الطريق إلى الصحة والجمال كفيلم إرشادي تعليمي، وكان أهم أقطاب السينما التسجيلية في المملكة المتحدة «جون غريرسون» الذي يعد من رواد السينما التسجيلية في التاريخ كمنتج ومنظم وناقد ومخرج، أنتج فيلماً تسجيلياً عام 1929 بعنوان «التائهون» وقد تم تصويره في بحر الشمال وهو يحكي الحياة اليومية لصيادي سمك الرنكة.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد أسهمت فترة الكساد الاقتصادي في ثلاثينيات القرن الماضي في إتاحة الفرصة لإنتاج عدد من الأفلام التوثيقية التي تصور تلك المرحلة، حيث أسهمت أمريكا في صناعة الفيلم التسجيلي من خلال الفيلمين الشهيرين «المحراث الذي شق الأرض» عام 1936 و«النهر» عام 1937 وكلاهما من إخراج «بيير لورينتز».

 البلاد العربية بدورها تعد من أوائل البلدان التي عرفت السينما التسجيلية ففي تونس كونها كانت تحت الاحتلال الفرنسي جاء أحد معاوني الأخوين «لوميير» عام 1896 وصور اثني عشر فيلماً تسجيلياً، وفي مصر ظهرت دار للعرض السينمائي في الإسكندرية لأحد الفرنسيين اسمه «دو لاجارن» حيث كان يلتقط بكاميراه السينمائية الكثير من المناظر للناس العاديين والآثار المصرية وكان يعرض هذه الأفلام في دار العرض، و يقوم بتصدير واستيراد أفلام أجنبية تسجيلية.

كان الناس حتى منتصف الخمسينيات يشاهدون الشريط السينمائي للأخبار يعرض قبل بداية عرض الفيلم في دور السينما العامة حيث ظهر الأسلوب التسجيلي الإخباري في الأفلام السينمائية منذ الأيام الأولى لصناعة مثل هذه الأفلام، ففيلم «خروج العمال من مصانع لوميير» الذي يعد أول فيلم في العالم فيلم تسجيلي خبري، وكان هذا شيء طبيعي باعتبار أن هدف مخترعي السينما في ذلك الوقت التوصل إلى وسيلة لتحريك الصور الثابتة التي تلتقطها آلة التصوير الفوتوغرافي، وبعد ذلك بدأ الفيلم التسجيلي يتحرر من الناحية الخبرية المحضة إلى ناحية الخلق والإبداع الفني وقد ساهم المخرج والمؤرخ السينمائي «جون غريرسون» في توجيه الفيلم التسجيلي والارتقاء به أولاً عندما استخدم مصطلح الفيلم التسجيلي لأول مرة، وثانياً عندما عرّف الفيلم التسجيلي بأنه المعالجة الخلاقة للواقع.

وكانت الحرب العالمية الثانية من أسباب الاهتمام بالسينما التسجيلية حيث ظهرت الأفلام الدعائية ومولت الحكومات ميزانية معظم الأفلام، ففي أمريكا قام المخرج الأمريكي «فرانك كابرا» بإخراج سلسلة أفلام تسجيلية بعنوان «لماذا نحارب ؟»، وفي بريطانيا تم إنتاج العديد من الأفلام التسجيلية الدعائية من أشهرها «لندن تستطيع أن تنتصر» عام 1940.

وبعد أن عرفت سنوات من التجاهل والنفور كسبت السينما التسجيلية نوعاً من الاعتراف مع فيلم «عالم الصمت» للمخرجين «جاك إيف كوستو» و «لوي مال» الحائزين على السعفة الذهبية في مهرجان «كان» في فرنسا عام 1956، وقد سمح التطور التقني والغليان النقدي في فترة ما بعد الحرب بإخراج فكرة التسجيلي من استوديوهات السينما، وكان من نتائج ذلك إنتاج فيلم «المشي على الثلج بنعال عريضة أشبه بالزحافات» وهي رياضة منتشرة في كندا، وعندما أتاح التقدم التقني توفير المعدات المحمولة للصوت المتزامن مع الصورة حوالي عام 1960، استطاع رجال السينما التسجيلية التصوير المباشر للحدث كصوت وصورة وهو ما جعل اللقطة أقرب لحقيقة الواقع عما كانت عليه من قبل، وأصبح في قدرة الفيلم التسجيلي «اقتناص أصالة الحيلة كما هي معاشة في الواقع» على حد قول عالم الاجتماع الفرنسي «إدغار موران» الذي قنن مصطلح السينما الحقيقية.

اتسعت حركة الأفلام التسجيلية إلى المدارس والمعاهد والجامعات والكنائس ومراكز البحث العلمي، وبدأت تتنوع الأفلام التسجيلية ليس في موضوعاتها بل في مناهجها و توجهاتها حيث عرضت أفلاماً وصفية تحليلية إضافةً إلى أفلام عن الأعلام وأخرى عن البسطاء، وعرضت أفلاماً عن التنمية والنقد الاجتماعي.

إنتاج الأفلام الوثائقية مازال مستمراً في العالم حتى هذه اللحظة، وهناك آلاف من الأفلام التسجيلية التعليمية ولأغراض التدريب تنتج كل عام، وليس في الدول المنتجة للأفلام الروائية فحسب بل إن كثيراً من الدول التي تملك مقومات الفيلم الروائي تركز على إنتاج الفيلم التسجيلي الوثائقي.

نلاحظ أن الأفلام التسجيلية اكتسبت في السنوات الأخيرة حضوراً متزايداً سواء على مستوى العروض التجارية أو ضمن المهرجانات الدولية ولا سيما ظهور الفيلمين الشهيرين «فهرنهايت» لـ«مايكل مور» و«سوربرايزمي» وبالرغم من أن الفيلم التسجيلي بشكله الحالي المعهود أقرب إلى تفكير وآراء الناس ونبض حياتهم، إلا أنه ينمو بشكل عمودي نخبوي.

إضغط إعجاب لمتابعة آخر الأخبار والحصريات عبر فيس بوك